السيد كمال الحيدري

8

معرفة الله

فبعض قد صارت الغفلة عين وجوده لا عارضاً عليه ، فصار الصممُ سمعَه والبكمُ نطقَه والعمى بصرَه . وبعض قد فتح نافذة في جدار الغفلة وأطلّ منها على قليل من الصحو فأشار بوجوده الصحويّ هذا نحو إشراقات يجهل لغتها وسرّها ونجواها . وبعض دخل أبواباً سترَتْها الغفلةُ عنه من قبلُ فأبصر حقّاً وثبّت قدماً في أُفق التوحيد ، فتنفّس الصُّعداءَ ومزّقَ حجبَ الظُلمة ، ولكن مزّقته حجب النور ، ذلك من بقي شيء من إنّيّته ، يتحرّك قلبه وفيه رواسب من غَيريّته . وبعض ممّن شمخ بسيره فغادر الكلّ إلى الكلّ وطوى الظلّ إلى ذيه ، فصار المقصود حاضراً له في كلّ مشهود ، فأينما تولّى يُبصر وجه الحقّ سُبحانه . إنّ هذه المراتب الجامعة التي تكمن بينها مراتب كثيرة تُسجِّل لنا بقوّةٍ حقيقية السير المعرفيّ بمعناه التحقّقيّ لا التحقيقيّ ، سواء كان باتجاهه الإيجابيّ أو السلبيّ . إنّ هذين النمطين المعرفيّين وما يكمن فيهما من مراتب ، يُعدّ إبرازهما والوقوف على حقائقهما من الضرورات القصوى ، حيث يتعيّن على كلّ إنسان الوقوف عندهما مليّاً وجليّاً ليتميّز له الخبيث من الطيّب ويتبيّن له الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، فيكون على بيّنة من أمره . ولا ريب أنّ مجموع الدراسات العَقَدية تُبرز لنا بقوّة جملة من مراتب النمط التحقيقيّ البرهانيّ ، وتغفل في مجمل مطالبها النمط التحقّقيّ الشهودي إلّا بإشارات ضئيلة جدّاً قد لا تُسمِنُ وَلا تُغنِي مِن جوع .